عندما رفرف علم القوس قزح لأول مرة في سماء تونس، وصف ناشط اللحظة بأنها تبعث في النفس “شعوراً غامراً بالتحرّر”.

في الآونة الأخيرة، ازداد ظهور الأفراد LGBTI في المساحات العامة في تونس. وخلال العام الماضي، قام نشطاء بالتعبير عن آراء تدعم المثليين والمتحولين جنسياً أمام الرأي العام، كما جرت لأول مرة ربما في بلد شمال إفريقي مسيرة داعمة لحقوق الـLGBTI  وصفها البعض بأول “غاي برايد” تونسي، وقامت الحكومة بإعطاء الإذن لإنشاء جمعية تدعو علناً ​​للدفاع عن حقوق الLGBTI.

تطور آخر لافت جداً هو إعلان وزير العدل أنه يجب إلغاء القانون الذي يجرم المثلية.

“لا يجب أن نسمح بهذا الإعتداء على الحياة الخاصة بعد الدستور. المثلية تبقى اختياراً خاصاً بالفرد، والمجتمع عليه أن يوفّر كل الظروف المناسبة للأفراد كي يمارسوا حريتهم، لكن دون المساس بحقوق المجتمع،” قال الوزير محمد صالح بنعيسى في مقابلة مع محطة تونسية الإثنين.

وتعاقب المادة 230 من قانون العقوبات والذي يعود لسنة 1913 (المعدل بشكل كبير في عام 1964) بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات “أعمال اللواط والمساحقة”.

“رغم تلك الإنتصارات، يبقى واقع الحال بالنسبة للأفراد الـLGBTI صعباً. فعمليات إلقاء القبض على الأفراد المثليين جنسياً من قبل الشرطة زادت، وما زال القانون يجرّم المثلية الجنسية” يقول علي بوسالمي، وهو عضو مؤسس في جمعية موجودين، وهي جمعية تأسست هذه السنة لتعزيز المساواة والعمل على قضايا الجندر.

مؤخراً، تمّ الحكم على طالب بالسجن سنة بسبب ميوله الجنسية. وقال النشطاء الحقوقيون أنّه تعرّض لفحوصات شرجية مهينة تتنافى مع حقوق الإنسان.

قبل ثورة الياسمين، التي بدأت في عام 2011 كحراك واسع جلب الديمقراطية إلى البلاد، لم تكن الشرطة تعتقل المثليين جنسياً بشكل واضح، يقول بوسالمي. فكانت السلطات أحياناً تستخدم تهم “المثلية الجنسية” أو “تعاطي المخدرات” كتهم زائفة لاستهداف النشطاء السياسيين.

اليوم نرى أنّ عدد الاعتقالات ضد الأفراد المثليين قد زاد، ربما بسبب تنامي الموجة الإسلامية في المجتمع.

في المقابل، فالمكاسب الجديدة في مجالات الحقوق المدنية وحقوق المرأة والحريات السياسية قد شجعت النشطاء الـLGBTI  بتسليط الضوء على قضاياهم.

ويقول بو سالمي “صوتنا مسموع اليوم. لدينا قنوات عامة لإبداء وجهات نظرنا”.

في آذار/مارس 2015، قامت مسيرة ضدّ الإرهاب ضمن المنتدى الإجتماعي العالمي في شوارع العاصمة وتجرأت مجموعة من النشطاء الLGBTI على التلويح بعلم قوس قزح ضمن التحرّك.

وبعد المسيرة، أقام النشطاء منصة في إحدى الجامعات الخاصة كجزء من الحدث لزيادة الوعي حول حقوق المثليين والمتحولين جنسياً في محاولة لتغيير الأفكار السائدة في المجتمع التونسي بأنّ المثلية هي “إنحراف أخلاقي” و “مرض”. وتمّ رفع لافتات تدعو لاحترام الحياة الجنسية للشخص وإلغاء التمييز ضدّ المثليين.

 

“كنا في غاية الحماس. انتهى اليوم الأول بشكل جيد وحصلنا على دعم من بعض الناس. ولكن في اليوم الثالث، قامت مجموعة بتهديدنا”، يقول بوسالمي. ويضيف: “ولكننا قررنا أن نبقى وأنّ لا نبيّن لهم بأننا نخاف منهم”.

وقد شجع هذا الحدث عدداً من النواب البرلمانيين على التفكير بدعوة نشطاء مثليين إلى اجتماع برلماني لإعادة النظر في قانون العقوبات. ولكن عندما انتشر الخبر في الإعلام، تراجع السياسيون عن اقتراحهم خوفاً من أن يهدد دعمهم لقضية المثليين مواقعهم السياسية في مجتمع يعاني بغالبيته من رهاب المثلية.

ويشير النشطاء إلى أنّ القانون الذي يجرّم المثلية هو ضد روح الدستور الذي يكفل المساواة والكرامة لجميع المواطنين. ومع ذلك، يقرّ بوسالمي وغيره من النشطاء أنّ الطريق طويل قبل إلغاء تلك المادة المنافية لحقوق الإنسان.

ورغم ذلك، تحققت خطوة ملحوظة في النضال من أجل حقوق المثليين عندما أعطت الحكومة الإذن بإنشاء منظمة شمس وهي تدافع علناً عن حقوق الأفراد الLGBTI، ما أثار جدلاً واسعاً. وهناك منظمات أخرى أقدم، مثل دمج، والتي تعمل على حفظ حقوق الأقليات الجنسية بشكل عام. وبعضها هي أيضاً جمعيات نسوية.

“إذا كانت الأفعال المثلية الجنسية غير قانونية، فالإنتماء إلى أقلية جنسية ليس ممنوعاً،” يقول بوسالمي مبرراً وجود تلك الجمعيات وشرعيتها.

في نيسان، أدلى رئيس الحركة الاسلامية في السلطة، حزب النهضة، بتصريحات اعتبرت تطوراً إيجابياً في المواقف الرسمية تجاه المثلية الجنسية في تونس.

وقال الشيخ راشد الغنوشي في مقابلة مع الصحافة الفرنسية أنه يجب إحترام حياة الأشخاص الخاصة، وذلك رداً على سؤال حول المثلية الجنسية في البلاد. ورغم أنه وصف الأفعال المثلية بأنها “ضد الطبيعة” والدين مؤكداً في الوقت عينه أنّ مداهمة المنازل الخاصة أو التجسس على الحياة الخاصة للأشخاص هو أمر لن يسمح به.

ولكن بوسالمي قال بأن الإعتقالات ضد المثليين غالباً ما تحصل في داخل منازل خاصة وليس في الأماكن العامة.

“ما يحدث عادة هو أن الجيران يشتبهون برجل يعيش وحده ويستقبل ضيوفاً ذكوراً فيتصلون بالشرطة. وهنا قد يأتي عناصر الأمن ويداهمون المنزل المشتبه به ويلقون القبض على من فيه حتى لو كانوا يشربون الشاي فقط،” يقول بوسالمي. ويضيف أن هذه الإعتقالات غير قانونية لأنّ رجال الأمن غالباً ما لا يكونون مخولين من قبل القضاء باقتحام المنزل وأن القانون يجرّم الناس فقط في حال تمّ ضبطهم بالجرم المشهود.

ويقول بوسالمي أنّ الجمعيات الحقوقية سجلت العديد من حالات التعذيب لمثليين جنسياً في المخافر والسجون، بما في ذلك عمليات الاغتصاب من قبل سجناء آخرين و”الإختبارات الشرجية”.

ويضيف الناشط أنّ عدد الاعتقالات يختلف من مكان إلى آخر في تونس، ويمكن أن يكون للطبيعة المحافظة للمنطقة أو لهيمنة السلفيين فيها أثراً في موضوع الإعتقالات. ومن المستحيل للنشطاء الحصول على أرقام رسمية حول الاعتقالات المتعلقة بالمثليين جنسياً.

وكانت قضية اعتقال رجل سويدي مع آخر تونسي بتهمة ممارسة الجنس قد دفعت البعض إلى القول بأن المثلية هي “رذيلة تأتي من الغرب.”

وقد حاول بوسالمي مع نشطاء آخرين تشكيل مجموعة من المحامين المناصرين لقضايا الLGBTI علّهم يدافعون عن الأفراد المثليين عند محاكمتهم. ولكنه أشار أنّ الأمر لم يكن سهلاً مشيراً أنّ رهاب المثلية منتشر حتى عند المدافعين عن حقوق الإنسان وهو برأيه أمر مشين.

 

ويقول بوسالمي أنه بالنسبة للسلامة على الإنترنت، أن تطبيقات الدردشة على الهواتف النقّالة لا تزال آمنة وأن السلطات لا يبدو أنها تقوم بعمليات مراقبة أونلاين للمثليين جنسياً.

“ولكن لا تزال هناك حاجة إلى اليقظة بالطبع. لأنه إذا تم القبض على شخص لسبب ما واكتشفت الشرطة صوراً أو مناقشات ذات طابع مثلي على هاتفه، فسيقع في ورطة. لذلك أنصح الناس بمحو المواد الحسّاسة لحماية أنفسهم والآخرين الذين تبادلوا معهم الصور والأحاديث”، يضيف بوسالمي.

في تونس، لا تحجب السلطات أية مواقع ذات صلة بالLGBTI. وتقوم الجمعيات كموجودين وغيرها عبر صفحات الفايسبوك بنشر التوعية حول المثلية الجنسية.

وتعمل جمعية “موجودين”، وهي تضمّ ٢١ عضواً، على إنشاء “ملاذ آمن” للمجموعات الLGBTI حيث يمكنهم التحدث وتبادل الأفكار في بيئة آمنة.

“نود أيضا أن يكون هناك مكان لحماية وإيواء الأفراد المثليين الذين طردوا من منازلهم من قبل أسرهم” يقول بوسالمي.

وبعد الموجة الأخيرة من العمليات الإرهابية في تونس، أصبح  عمل النشطاء الLGBTI أكثر تقييداً.

“تحت ستار محاربة الإرهاب، قامت السلطة بتقليص مساحة الحريات المدنية مثل عقد الاجتماعات العامة والاحتجاج. وطبعاً، تأثرنا نحن بذلك” يقول بوسالمي.

admin

Author admin

More posts by admin