عندما شرّعت المحكمة العليا في الولايات المتحدة مؤخراً زواج المثليين في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تخطّى الإعلان بسرعة الحدود الوطنية للبلاد ليصبح شأناً عالمياً. فالعديد من الناس حول العالم عبّروا عن آرائهم حول الموضوع على الإنترنت.

لم يكن من المهم أن يكون المرء في واشنطن أو القاهرة، كان يكفي أن يكون لديه حساب فيسبوك لينضم إلى “الإحتفال” بهذا النصر للمثليين في أمريكا. وعندما جعلت شبكة التواصل الإجتماعي ممكناً لمستخدميها أن يغطوا صور بروفايلاتهم بعلم قوس قزحٍ شفاف (والذي يرمز عالمياً لحقوق المثليين)، قرّر الكثيرون أن يعلنوا تأييدهم لحقوق المثليين عبر هذا الرمز حتى في بعض البلدان حيث المثلية فيها محظورة قانونياً أو غير مرحّب بها. وبالنسبة للبعض، كانت تلك وسيلة لإظهار “البرايد” أو الإفتخار بالهوية الجنسية من دون النزول في مسيرات ورفع علم قوس قزح في الشارع.

أواخر حزيران وأوائل تموز هي غالباً الفترة التي تنظم خلالها مسيرات “الغاي برايد” (مسيرات الفخر للمثليين) في مدن غربية عدّة. بالنسبة للكثيرين، فكرة هذه التظاهرة تبدو حلماً مستحيلاً في مدنهم. ولكن ما يبدو ظاهراً أن البعض يلجأ للتعبير عن الفخر بالهوية الجنسية المختلفة في العالم الإفتراضي أي على الإنترنت. ويتطلب الأمر جرأة  كبيرة إذ يبقى التعبير عن رأي مغاير لما هو متعارف عليه، ولو جاء على النت، مكلفاً إجتماعياً.

أحد مستخدمي فيسبوك في بيروت وبعد نشره على جدار صفحته آراء داعمة لقرار الولايات المتحدة تلقى شتائم وتهديدات من أفرادٍ من أسرته. وقال إنه شعر بالقلق لأن التهديدات كانت من قبل أخٍ له يعيش في كندا، هدّده بأن يشكيه لدى أبيهما المحافظ وادعى “أنه لطّخ سمعة العائلة بتصريحاته”.  وفي نهاية الأمر، قرّر الشاب عدم التراجع عن آرائه وتجاهل التهديدات وقال أنه كان يعبّر عن رأيه فقط وأنه لا يفصح عن هويته جنسية من خلال هذا الرأي.

وقال أناس آخرون على فيسبوك أنهم أزالوا أصدقاءاً من قوائمهم لأن هؤلاء عبّروا عن آراءٍ تنمّ عن رهاب المثلية. ولكن بالإضافة إلى الكشف عن تفشي رهاب المثلية، أظهرت عملية التعبير بحرية على الانترنت، أنّ كثيرين يناصرون حقوق المثليين في جميع أنحاء العالم. ورأينا عدداً من الناس التقدميّين في أماكن عدّة يعلّقون على صفحات فيسبوك دفاعاً عن حقوق المثليين كون هذا جزء من الدفاع عن الحريات الخاصة بشكل عام، خصوصاً في لبنان، ورغم أن القانون يجرّم العلاقات “غير الطبيعية.”

مهما كانت ردود الفعل حول قضايا حقوق المثليين، يخلق تضارب الآراء جواً عاماً من النقاش في أماكن كانت المثلية الجنسية فيها دائماً من المحرمات التي لا يجرؤ أياً كان التحدث عنها بشكل علني وفي المساحة العامة.

مؤخراً، قامت جمعية حلم اللبنانية لحقوق المثليين بإنشاء صفحة على الفيسبوك للإعلان عن محاضرة حول رأي الإسلام بالمثلية. وقبل موعد المحاضرة بأيام، أصبح جدار الصفحة مليئاً بالنقاشات حول الموضوع وقد نشر البعض آراءاً تنمّ عن كراهية وعنف لفظي ضدّ المثليين مدّعين أن الإسلام أمر بقتلهم. وقد سمح وجود مساحة للنقاش، إبراز آراء مغايرة تماماً وتقول أن الإسلام لم يتطرأ إلى الممارسات الجنسية التي يكون فيها الشخصان متوافقان، وأن ما يشار إليه عند التحدث عن قوم لوط هو اغتصاب الرجال من غير إرادتهم.

وأمثلة أخرى عن ردود الفعل التي سمحت بها شبكات التواصل الإجتماعي، هي مثلاً فضح الاعتداءات على أفراد مثليين. أحد الأخبار على فيسبوك نقلاً عن مقالٍ في صحيفة لبنانية وثّق لعملية تعذيب تعرض لها شاب لبناني على أيدي الشرطة، خلق موجة من الإستياء على الإنترنت. كثيرون في لبنان قاموا بمشاركة المقال على جدران صفحاتهم وطالبوا بمساءلة عناصر الأمن الذين عذبوا الشاب لمجرد كونه مثلياً.

في بلدانٍ عربية أخرى، تبدو الآراء على الإنترنت حول المثلية أكثر سلبية وبشكل ساحق. فعندما قامت قناة العربية، عبر موقعها الإلكتروني، بنشر خبر قرار المحكمة العليا السماح بزواج المثليين في كافة الولايات الأميركية، سجلّ العديد من القرّاء العرب تعليقات مهينة للغاية ضد المثليين. وقالت الغالبية أن المثلية هي “شذوذ” وضد الطبيعة البشرية. ولكن من بين عشرات التعليقات السلبية، كان هناك عدد قليل من الناس الذين علّقوا إيجابياً قائلين أنّ العلم أثبت أن المثلية هي ميل طبيعي لدى البشر وليست بمرض. وقد سمحت هذه التعليقات رغم قلتها بتعزيز النقاش.

وهناك عدة صفحات على فيسبوك لدعم حقوق المثليين في المنطقة العربية بشكل عام وفي بلدان عربية معينة. واحدة من أكثر الصفحات شعبية هي صفحة كبرياء العرب (غاي برايد العرب)، والتي تحصد 6233 لايك (أو محب للصفحة). وتقوم الصفحة بنشر معلومات باللّغة العربية لتثقيف الناس حول المثلية وإعطاء إثباتات علمية ونفسية أن المثلية ليست مرضاً. وتقوم الصفحة أيضاً بإدانة الإعتقالات التعسفية للمثلين في المنطقة العربية. وقد نشرت مؤخراً عريضة للإفراج عن شخصين مثليي الجنس قامت السلطات المغربية بالقبض عليهما وتحويلهما

وكان قد حُكم عليهما بالسجن لمدة أربعة أشهر بعد أن التقطا صورة في مكان عام سياحي وهما “قريبان جداً” الواحد من الآخر.

وقد يكون التغيير في القوانين والعقليات حول المثلية الجنسية أمر يستغرق وقتاً طويلا في كثير من الأماكن، ولكن الدينامية التي خلقتها شبكات التواصل الإجتماعي حول حقوق المثليين ستجعل من الصعب تمرير الإساءة إلى الأفراد المثليين مرور الكرام

admin

Author admin

More posts by admin