أن يكون الناس عامةً في المغرب معادين للمثلية الجنسية ليس بالأمر المفاجئ. ولكن عندما يتمّ ضرب رجل وإذلاله على يد مجموعة من العامة لمجرد أنّ مظهره يوحي لهم بأنه مثليّ الجنس، يصبح الموضوع مختلفاً. في حالةٍ كهذه، سيتعاطف العديد من الناس مع ضحية هكذا إعتداء.

في أواخر حزيران/يونيو، هاجم عشرات من المارّة شاباً بعد أنّ تشاجر هذا الأخير مع سائق تاكسي كان قد وصفه بالـ”مخنث” عدّة مرّات بصوت عالٍ. فما كان بالمارّة إلّا أن تجمعوا حول الشاب وباشروا بضربه وتمزيق ملابسه، فقط لأنّهم اعتبروا بحركاته وشكله أنّه “يتشبّه بالنساء”. وقد تدخلت الشرطة لإنقاذ الشاب ولكنها قامت باحتجازه لفترة وجيزة بعد الحادثة. وبعد انتشارٍ واسع لما حدث في فيديو على يوتيوب، أثار الموضوع استنكاراً من قبل المجتمع المدني، أدّى إلى الضغط على السلطات لملاحقة المعتدين على الشاب. وبغض النظر عن الموقف السلبي العام من المثلية الجنسية في المغرب، يبدو أن شريحة واسعة من المجتمع شعرت أنّ الإعتداء الوحشي على شاب أعزل في الشارع أمر مرفوض كلّياً.

وقد قامت السلطات استجابةً لموجة الإستنكار، باعتقال اثنين من المعتدين. وقد حُكم عليهما مؤخراً بالسجن أربعة أشهر لممارستهما عنفاً غير مبرر ضد مواطن.

“إنه تطور إيجابي، حتى ولو كنّا نعتقد أنه من واجب الدولة الطبيعي حماية مواطنيها”، قالت ناشطة في “أصوات”، وهي مجموعة تناضل ضدّ اللا مساواة على أساس الهوية والميول الجنسية والجندر.

وأضافت الناشطة التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية أنّه قبل بضع سنوات كان سيمرّ هكذا نوع من الإعتداء على شخص بسبب مظهره دون أنّ يلاحظه المجتمع المدني. وقالت أنّ ردّ فعل السلطات يثبت أنها تتجاوب تحت الضغوط المحلية والدولية.

في السنوات الأخيرة، بات موضوع المثلية الجنسية يُتناول بكثرة في الدوائر العامة وفي وسائل الإعلام. ولا يزال المجتمع معادياً إلى حدّ كبير للمثليين ولكن بالنسبة لمجموعة أصوات، هناك بعض الإشارات والتطورات الإيجابية التي تحفّز على الاستمرار في الدفاع عن حقوق المثليين.

وقد بدأت المجموعة بنشاطاتها عبر إصدار مجلة إلكترونية تحمل الإسم نفسه، أي أصوات، في العام 2012. وقد لبّت المجلة حاجة حقيقية لمواد ذات طابع اجتماعي وصحّي تهمّ مجتمعات الLGBTQ في المغرب والمنطقة المحيطة.

وقد سمحت المجلة للأفراد المثليين بأنّ يخرجوا نوعاً ما من عزلتهم وأنّ يتبادلوا الخبرات. كانت تلك خطوة قدّ تبدو صغيرة ولكنها فعّالة في بدء النضال الحقوقي.

“كثير من المثليين في المغرب يعانون من الإعتداءات والتحرّشات والإعتقال. والبعض يُطردون من منازلهم من قبل أهلهم والقانون يجرّمهم فيشعرون بالتهميش. وقد أصبحت المجلة كصوت لتلك الفئة تطمئنهم بأنهم ليسوا وحدهم وتسدي لهم النصائح المفيدة “، تقول الناشطة.

وبعد إصدار المجلّة بفترة، قامت المجموعة مع جمعيات أخرى بتنظيم نقاشات في أماكن عامة تناولت موضوع الميول الجنسية. وحتى ولو كانت هذه النقاشات تجري على نطاق صغير، فقد كسرت بطريقة أو بأخرى المحرمات حول هذه المسألة.

المادة 489 من القانون الجنائي المغربي تجرّم الممارسات الجنسية التي تصفها بغير الطبيعية مع أفراد من نفس الجنس. وقدّ تكون عقوبة تلك الأفعال هي السجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات بالإضافة إلى غرامة مالية كبيرة نسبياً.

ويُلاحظ بشكل عام أنّ تطبيق أحكام القانون يأتي بشكل متفاوت، إذ يبدو أنّ السلطات تغضّ النظر عموماً عن الأنشطة الجنسية المثلية في المنتجعات السياحية، حتى ولو كانت تلك الأنشطة في كثير من الأحيان تدخل في إطار الدعارة وتضع الشبّان المحلّيين في وضع هشّ. ورغم ذلك، لا يخلو الأمر من بعض الحالات الموثّقة لاعتقالات لمواطنين محليين وسوّاح أجانب في بعض الأماكن السياحية.

وتركّز “أصوات” نشاطها على الحملات ضدّ انتهاكات حقوق المثليين. وقد رصدت المجموعة عشرات من حالات الاعتقالات لمثليين جنسياً تبيّن أنهم تعرضوا للتعذيب أثناء اعتقالهم.

ولكن المجموعة تشعر اليوم بأنه يجب أن تبدأ أيضاً بممارسة الضغط على السلطات بشكل أكثر فعالية من أجل الدفاع عن حقوق المثليين بإنشاء آلية لحماية ضحايا العنف الإجتماعي والسلطوي بسبب الميول الجنسية وليس فقط الإكتفاء بحملات الدعم والإستنكار.  

“رهاب المثلية أمر مشرّع في القوانين ومتوغّل في المجتمع. نحن بحاجة إلى العمل في العمق لتغيير العقليات حول الجندر والهوية الجنسية في المجتمع وفي المدارس وعبر وسائل الإعلام، والحكومة لا تريد أن تقوم بهذا،” تقول الناشطة.

في حزيران/يونيو، وجد رجلين نفسيهما خلف القضبان لمجرد أنهما كانا يأخدان صورة “سيلفي” جنباً إلى جنب. وقد وجّهت لهما السلطات تهم ب”خدش الحياء العام” و”ارتكاب أفعال غير طبيعية مع شخص من نفس الجنس.” وقدّ حكم عليهما بالسجن لمدة أربعة أشهر بناءً على شائعات ادّعت أنهما قبّلا بعضهما في مكان عام أمام معلم سياحي في الرباط رغم أنّه لم يكن هناك أي دليل على ذلك.

وقال النشطاء أنّ الرجلين تعرضا للتعذيب أثناء إعتقالهما، وبالتالي، فإنّ اعترافاتهما بتلك الأفعال ليس لها أي قيمة قانونية لأنّه تمّ انتزاعها تحت وطأة التعذيب.

وقد قامت مجموعة أصوات بجمع أكثر من 75 ألف توقيع على عريضة تطالب بالإفراج عن الرجلين وآخرين متهمين بالمثلية الجنسية.

وقد نشروا النص التالي على صفحتهم على الفيسبوك:

            “هذان الرجلان سوف يقضيان الأشهر المقبلة خلف القضبان، لماذا؟ لكونهما مثليي الجنس. الرغبة في الحب، والرغبة في العيش، أمر غير مقبول بالنسبة لدولتنا، في بلدنا. نحن نشعر بالغضب إزاء هذا الظلم. وسوف ترتفع أصواتنا ضدّ المادة 489 حتى النفس الأخير. لا لتجريم المثلية الجنسية. لا لتجريم الحب. لا للمادة 489! “

وقالت الناشطة أنّ الرجلين سيتعرضان لمشاكل ومضايقات عديدة لأنّ السلطات نشرت إسميهما وصوراً لهما علناً في الصحف وعلى شاشات التلفزيون.

“سيكون من الصعب للغاية بالنسبة لهما العثور على عمل … سيكون أمنهما في المغرب أمراً غير مضمون،” قالت الناشطة.

وتبقى مهمة مجموعة “أصوات” صعبة للغاية فأعضاؤها يشعرون في كثير من الأحيان بعدم الأمان ويسود إنطباع لديهم أنّ السلطات تراقب عملهم. وقالت الناشطة أنّهم يضطرون أحياناً إلى العمل على نحوٍ غير معلن، لأنّهم لم يحصلوا على ترخيص من قبل الحكومة ويخشون اتهامهم بتلقي الأموال والدعم من مصادر دولية.

أما بالنسبة لعالم الانترنت، قالت الناشطة أن الفضاء الإلكتروني لا يزال واحداً من البيئات القليلة الآمنة للأشخاص المثليين للتفاعل والتواصل. وقالت أنه حتى الآن لا توجد قوانين تجرّم الإتصالات عبر الإنترنت بين الأفراد المثليين. ولكن عندما يقرّر الأفراد التعرّف على بعضهم البعض وجهاً لوجه بعد الدردشة على التطبيقات والمواقع الإلكترونية يصبح أمنهم الشخصي على المحك أحياناً.

“بسبب تجريم المثلية الجنسية، الأفراد المثليون عرضة للمبتزين والمتحرّشين الذين يمارسون عليهم ضغوطهاً بلا خوف من الملاحقة أو العقاب،” تقول الناشطة.

وتضيف: “هناك العديد من البروفايلات الوهمية التي يتم إنشاؤها على تطبيقات ومواقع الدردشة لاستهداف النساء على وجه التحديد. ويتمّ الإيقاع بالنساء للإجتماع بهنّ ومن ثمّ تعريضهنّ للمضايقات والإبتزاز “.

وقالت الناشطة أن تجريم المثلية الجنسية لا يوقف الأفراد عن كونهم مثليي الجنس. ما تؤدي إليه القوانين المناهضة للمثلية هو تهميش الأفراد المثليين عن طريق الحدّ من تمكنهم من الإستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية في بعض الأحيان، والحصول على عمل ومسكن حتّى، عندما يعكس مظهرهم في نظر المجتمع إختلافهم وتوجههم الجنسي، وبذلك يصبحون عرضة للتحرش والتمييز.

فريدوم هاوس، وهي منظمة رقابية مستقلة، وجدت في أحدث تقرير لها عن الحرية على شبكة الإنترنت أنّ المغرب يصنّف في مرتبة وسطى بين البلدان المنفتحة والحرّة وتلك القمعية. ولم يرصد التقرير أي وجود لانتهاكات لحقوق المثليين على شبكة الإنترنت.

 

admin

Author admin

More posts by admin